close
Published on August 30, 20255 min read

مستقبل المؤسسات الإسلامية في سوريا: رؤية تحليلية واستراتيجية

تشهد الأراضي السورية في الوقت الراهن مرحلة دقيقة من التحول، تلت سنوات طويلة من الصراع المدمر والنزوح القسري والتحديات الاجتماعية والسياسية الجسيمة. عملية إعادة بناء الدولة بعد هذه الحقبة العصيبة ليست مجرد مهمة هيكلية، بل تستدعي فهمًا عميقًا للنسيج المجتمعي، ودور المنظمات المدنية، والتوازنات الحساسة التي تضمن وحدة الأمة واستقرارها. في هذا السياق، ظهرت مؤخرًا أصوات تطالب بحل شامل لجميع الكيانات والهيئات والأحزاب ذات الطابع الإسلامي ودمجها بشكل كامل ضمن هياكل الدولة. يبرر أصحاب هذا الطرح بأن ذلك سيؤدي إلى تنسيق الجهود، وتسريع وتيرة إعادة الإعمار، وتعزيز مركزية القرار. وقد شهدنا بالفعل حل المجلس الإسلامي السوري، الذي كان له بصمة إيجابية واضحة خلال فترة الثورة، وبدأ البعض مؤخرًا يدعو إلى حل جماعة الإخوان المسلمين. ورغم أن النوايا قد تبدو حسنة، فإن هذه الفكرة تنطوي على مخاطر استراتيجية كبيرة قد تؤثر سلبًا على التوازن السياسي والاجتماعي، وتهدد مؤسسات المجتمع المدني، وتزعزع استقرار الأغلبية الإسلامية، وتقلل من القدرة على التعاون الوطني الفعال.

مستقبل المؤسسات الإسلامية في سوريا: تحديات وآفاق

بعد سقوط النظام السابق، شرعت الحكومة في إعادة تفعيل المؤسسات الخدمية للدولة وإعادة بناء أجهزتها الإدارية، وهي مهمة ضخمة تتطلب تضافر جهود كافة القوى الوطنية ومنظمات المجتمع المدني. لقد اضطلعت الكيانات والهيئات الإسلامية بدور جوهري في فترات مفصلية من تاريخ سوريا على الصعيد الديني والاجتماعي والسياسي. فقد كان لها قصب السبق في مقارعة الاستبداد، وأسهمت في سد الفجوات الاجتماعية، ووفرت دعمًا شعبيًا واسعًا للحكومة، كما ساعدت في احتواء الفوضى المجتمعية وحماية المواطنين في المناطق الأكثر ضعفًا. وفي الوقت ذاته، تواجه الدولة تحديات معقدة، منها المحاولات المستمرة لعرقلة المسار السياسي ونشر الفوضى من قبل أطراف داخلية تسعى إلى إعاقة عملية البناء عن طريق إثارة القلاقل والاضطرابات. ولا ننسى التدخلات الإقليمية ومحاولات العدو الخارجي المستمرة لزعزعة الأمن واستغلال الفراغ السياسي لتحقيق مكاسب استراتيجية. كما أن المناطق التي لا تزال خارج سيطرة الدولة تسعى إلى الانفصال تحت شعارات مضللة، مما يزيد من هشاشة الوحدة الوطنية. وهناك أيضًا الاستحقاقات الدستورية القادمة، بما في ذلك تشكيل مجلس شعبي مؤقت وصياغة دستور جديد، وصولًا إلى انتخابات عامة، وهي مرحلة حرجة تتطلب مشاركة جميع المكونات لضمان تمثيل عادل وشامل. في هذا السياق، لا تعد المؤسسات الإسلامية مجرد كيانات تنظيمية، بل هي عنصر استراتيجي يربط بين الهوية الوطنية والجذور المجتمعية، وتعزز الاستقرار السياسي والاجتماعي، وتشكل ركيزة مهمة في ميزان القوى الداخلي. يرى العديد من المحللين أن توحيد طاقات الشعب السوري بكل أطيافه، وتوحيد طاقات المسلمين على وجه الخصوص، هو مسؤولية وطنية جسيمة تقع على عاتق القيادة. وإذا ما نجحت القيادة في إنجاز مرحلة إعادة بناء سوريا، وتُوّجت هذه المرحلة بدستور يجمع بين الأصالة والمعاصرة، وتم انتخاب ممثلي الشعب عبر انتخابات شفافة ونزيهة، فسيكون لزامًا على المسلمين الاندماج في كيان واحد، تجسيدًا للمبدأ القرآني: 'واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا'. هذه الرؤية تؤكد على أهمية الاستفادة من التنوع المؤسسي كرافد للشرعية الوطنية، وتجنب الانجرار وراء الدعوات التي قد تؤدي إلى تركيز كافة الصلاحيات والطاقات في يد جهة واحدة، الأمر الذي يهدد التوازن الوطني ويضعف المصداقية السياسية.

إن حل هذه المؤسسات الإسلامية قد يؤدي إلى سلبيات جمة، منها تركيز السلطة في يد واحدة، مما يجعل البلاد عرضة لفراغ مؤسسي في حال حدوث أي أزمة، ويضع الأغلبية الإسلامية في موقف ضعف. كما أن تركيز السلطة يفتح الباب أمام مخاطر الانفراد بالقرار، فالسلطة المطلقة مفسدة مطلقة، وهذا يهدد التوازن الاجتماعي ويزيد من الاحتكاكات الداخلية. علاوة على ذلك، سيعطي هذا الحل تفوقًا تنظيميًا للتيارات غير الإسلامية التي استعادت قوتها، بينما يغيب الصوت الإسلامي المنظم، مما يؤدي إلى خلل في التوازن الداخلي ويضعف قدرة الدولة على إدارة التنوع بفعالية. وهذا سيضعف أيضًا الموقف الوطني في المحافل الدولية، حيث ستظهر الحكومة بمفردها في مواجهة أطياف متعددة، مما يقلل من تمثيل الدولة ويجعل الدفاع عن مصالح الشعب السوري أكثر صعوبة. المؤسسات الإسلامية توفر دعمًا شعبيًا كبيرًا للحكومة، وحلها سيخلق فراغًا في التأييد الشعبي ويضعف الشرعية المجتمعية، مما يحد من قدرة الدولة على تنفيذ سياساتها بفعالية. وأخيرًا، يقلل حل المؤسسات من قدرة التيارات الإسلامية على التعاون مع القوى الوطنية الأخرى على أساس المصالح العليا للبلاد، ويحد من مشاركة المواطنين في صنع القرار، مما يهدد الاستقرار الداخلي على المدى الطويل ويجعل الدولة أكثر عرضة للأزمات. التجارب العالمية تؤكد أن الحفاظ على التنوع المؤسسي، خاصة للتيارات الدينية والثقافية، يساهم في استقرار الدولة ويزيد من قدرتها على التكيف مع التحديات. في الدول التي خرجت من صراعات مسلحة، كان وجود مؤسسات دينية ومدنية متنوعة عاملًا أساسيًا في استعادة الثقة بين الدولة والمجتمع، ومنع الاحتكاكات الداخلية. التجربة السورية أثبتت أن التيارات الإسلامية، سواء كانت أغلبية أو أقلية، تتمتع بالمرونة والقدرة على التعايش والتعاون مع مختلف القوى الوطنية لخدمة المصلحة العامة. لذا، فإن الحفاظ على هذه المؤسسات في المرحلة الحالية ليس مجرد خيار، بل هو ضرورة استراتيجية لضمان استقرار الدولة ومشاركة الشعب الفعالة، وحماية مؤسسات الدولة من أي فراغ محتمل. الخلاصة هي أن الحفاظ على الكيانات الإسلامية في هذه المرحلة الدقيقة يضمن استمرار التوازن الوطني والاستقرار الداخلي، ويمكّن القيادة الوطنية من استكمال عملية إعادة الإعمار على أسس دستورية عادلة. وعند اكتمال هذه المرحلة، وإجراء انتخابات شفافة ونزيهة، سيصبح دمج المسلمين في كيان واحد أمرًا واجبًا لتحقيق الوحدة وتعزيز قوة الدولة السورية ومكانتها بين مختلف مكوناتها. وتؤكد هذه المرحلة أيضًا على أهمية التحلي بالصبر والحكمة، وتجنب الانسياق وراء الدعوات المتسرعة التي قد تهدد استقرار المجتمع، مع ضرورة تمكين المؤسسات الوطنية من أداء دورها الفعال في بناء سوريا الحديثة؛ سوريا التي تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وتفتح آفاقًا واسعة أمام جميع المواطنين والمكونات للمساهمة بفاعلية وعدالة في صياغة مستقبلها المزدهر.

Share now
  • facebook
  • twitter
  • pinterest
  • telegram
  • whatsapp
Warm reminder

This website only serves as an information collection platform and does not provide related services. All content provided on the website comes from third-party public sources.Always seek the advice of a qualified professional in relation to any specific problem or issue. The information provided on this site is provided "as it is" without warranty of any kind, either express or implied, including but not limited to the implied warranties of merchantability, fitness for a particular purpose, or non-infringement. The owners and operators of this site are not liable for any damages whatsoever arising out of or in connection with the use of this site or the information contained herein.

2025 Copyright. All Rights Reserved.

Disclaimer - Privacy Policy - Contact Us